الكاتب: حسين أكرم غويلي
"المثقف العراقي
والسلطة"
العلاقة بين المثقف والسلطة علاقة إشكالية، بصفة عامة في تأريخ الفكر الإنساني؛ ويكفي لبيان إشكاليتها الإشارة إلى موقف (سقراط) من الحكم عليه بتناول «السُمَّ» نتيجة إتهامه بإفساد عقول الشباب. إن رفض سقراط الهرب – وكان سهلاً ميسراً – وإصراره على إظهار إحترام السلطة أمر يجب أن يلفت أنتباهنا إلى بُعد «توقير» السلطة، وإحترامها عند ذلك الفيلسوف حتى لو تعارضت قراراتها مع «الحقيقة» كما يراها الفكر الفلسفي.
لكن الإشكالية أكثر تعقيداً حين ننتقل إلى تأريخ الفكر العربي، وهنا لا بدَّ من طرح بعض التعريفات الأولية لمفهومي «المثقف» و «السلطة» وذلك قبل الدخول إلى طرح بعض الأفكار عن العلاقة بينهما. «لمثقف»: هو الإنسان المنخرط – بطريقة أو بأخرى – في عملية إنتاج الوعي.
في مقابل المثقف – منتج الوعي – يقف رجل
السلطة القابضة على زمام حركة المجتمع عن طريق التحكم في القرار التنفيذي، والقدرة
على إستخدام ثمرة جهد المثقف وتوظيفها لتكريس سلطته وإعطائها مشروعية. وهذا البُعد
يُبرز لنا الجانب التأسيسي لعلاقة المثقف بالسلطة، وأعني بالجانب التأسيسي: حاجة
السلطة السياسية إلى تأكيد مشروعيتها بالإستناد إلى نمط من المشروعية السيادية
العُليا، أي المشروعية السيادية التي تتجاوز ممارساتها الجزئية وفعاليتها
التأريخية الإجتماعية.
إنها محاولة السلطة لتجاوز تأريخها ورهاناتها الإجتماعية، والأقتصادية، والسياسية لكي تنغرز في «الأبدية» و «الديمومة». و«الفكر» بكل أنماطه هو أداتها لتحقيق هذا الإنغراس والتعالي. وغنيٌ عن البيان أنه في المجتمعات التي تأسست فيها حركة الفكر، والإبداع، والعقيدة لا نجد هذا الهاجس المدمر بالدرجةِ نفسَها عند رجل السلطة. فقد تم فض الإشتباك «السُّري» بين السلطة والمثقف، وتبلورت أنماط أخرى من العلاقات التي تحتاج للتحليل في تلك المجتمعات.
إنها محاولة السلطة لتجاوز تأريخها ورهاناتها الإجتماعية، والأقتصادية، والسياسية لكي تنغرز في «الأبدية» و «الديمومة». و«الفكر» بكل أنماطه هو أداتها لتحقيق هذا الإنغراس والتعالي. وغنيٌ عن البيان أنه في المجتمعات التي تأسست فيها حركة الفكر، والإبداع، والعقيدة لا نجد هذا الهاجس المدمر بالدرجةِ نفسَها عند رجل السلطة. فقد تم فض الإشتباك «السُّري» بين السلطة والمثقف، وتبلورت أنماط أخرى من العلاقات التي تحتاج للتحليل في تلك المجتمعات.
في تأريخنا العراقي الحالي ما زالَّ
الإشتباك قائماً وماثلاً بأشكال مختلفة، وهنا لا بدَّ أن نتعرض لكشف أسباب التعارض
التي يمكن أن تنشأ بين المثقف والسلطة.
يجب ألّا ننسى الآن نمط المثقف الذي يمنح السلطة السياسية – واعياً أو غير واعِ، طائعاً أم مجبراً – مشروعية السيادة العليا التي تتوق إلى ترسيخها. والتعارض إنما ينشأ بين المثقف المتمرد / الثوري وبين السلطة، بسبب عزوفه عن الأنخراط في إنتاج وعي يُرسخ السيادة العُليا للسلطة.
وقبل أن نكشف عن تلك التعارضات في سياق التأريخ نُشير إلى «جوهرية» التعارض بين الوعي والسلطة: الوعي بما هو وعي (جمالي، فكري، أوديني) يتحرك صوب محاولة إكتشاف «الحقيقة» في تجلياتها ومظاهرها المتعددة. ومع إنَّ الوعي ذاته ظاهرة تأريخية، وعلى رغم إنَّه يتوصل في حركته الدائمة إلى الكشف عن حقائق ثقافية تأريخية، فإنَّ هدفه الأسمى يكمن في الرغبة الدائمة في تجاوز ما تم إكتشافه، والتحرك إلى قارة «المجهول» في الفكر والإبداع، أي أنَّ الوعي – بعبارة أخرى – نشاط وفعالية متحركة لا تؤمن بالثبات والاستقرار، لذلك ينصرف أهتمامها في الفكر والإبداع إلى ما يحقق هذه الغاية، التي تفضي إلى تكريس مشروعيتها السيادية العليا. وكل فكر أو إبداع يناهض هذه الغاية يتم تهميشه في أحسن الأحوال إن لم يتم أغتياله وتفتته نهائياً.
والتعبير عن هذا التعارض بلغة الفلسفة يمكن أن يكون على النحو التالي: إنَّ مفهوم الحقيقة عند المثقف الحقيقي يتعارض مع المفهوم نفسه عند رجل السلطة والسياسة. الحقيقة عند رجل السلطة أو السياسة تكون كذلك، أي تكون حقيقة لأنها نافعة، ومؤثرة، وقادرة على تحقيق أهداف الإستقرار والثبات.
من هذه الزاوية يمكن أحياناً أن نجد نماذج لرجل السلطة حامي حمى الحقيقة (المأمون الخليفة العباسي وكيفيته عند أستخدامه الفكر الأعتزالي)، لكن علينا هنا أن ندرس الكيفية التي يوظف بها رجل السياسة، الحقيقة تلك، توظيفاً سياسياً نفعياً يحرمها من أن تترسخ في الوعي الشعبي بوصفها حقيقة.
وعلى عكس المفهوم النفعي البراغماتي للحقيقة عند رجل السلطة تكون «الحقيقة» عند المثقف نافعة لأنها حقيقية، وليس لأيَّةِ غايات نفعية مباشرة تُرجى من ورائها. إنها نافعة لأنَّها تخلق وعياً وتتجاوز اللحظية السياسية وتتخطى حدود الأستخدام البراغماتي. لكن هذا الفصل التام بين مفهومي «الحقيقة» عند كل من المثقف ورجل السلطة لا يعني ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن من فصل تام بين الفكر والسياسة، بوصفهما ناشطين مستقلين.
يقع الفصل بين «الفكر» كفعالية تسعى نحو المزيد من «الحقائق»، وبين السياسة كفعالية لتحقيق الممكن، فما يصلح للأستخدام أنطلاقاً من مبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة)؛ وهو مبدأ من مبادئ السياسة وتثبيت السلطان، يتعارض مع الفكر بما هو سعي علمي يتجاوز اطار التبرير والنفعية، ويسعى إلى التفسير والتقييم.
لكن بعيداً عن هذا التعارض، يمكن القول إن كل فكر يتضمن نمطاً من الممارسة السياسية بالمعنى العام، لأنَّ الفكر لا يتم إنجازه خارج نسق العلاقات في التشكيلة الإجتماعية التي تؤطرها ثقافة بعينها.
وهنا نصل إلى التمييز بين نمطين من المثقفين: المثقف التبريري، الذي يدور في الفلك النفعي، والسياسي المباشر، والمثقف الذي يهتم بالتحليل، والتفسير من دون أن ينخرط بشكل مباشر في مفهوم نفعية الحقيقة. ولا نقصد بالمثقف التبريري ذلك المثقف المتعاون مع السلطة والخادم لها، والمنتج لفكر ذي مردود مباشر لتأييدها؛ وإن كان هذا هو ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. لا نقصد هذا النمط وحده، بل نضم إليه نمط مثقف المعارضة الذي يدور في فلك «النفعي» والرباغماتي أيضاً، ولكن من منظور سلطوي معارض للسلطة القائمة. أي إننا يجب أن نميز بين المثقف المنخرط في العمل السياسي المباشر اليومي، وبين المثقف المنخرط في العمل الثقافي والفكري والإبداعي من دون انعزال أو تعال أو تسام زائف.
نصل في ختام هذا المقال للتحليل للقضايا النظرية المرتبطة بعلاقة المثقف بالسلطة إلى تحديد الفرق بين خطاب المثقف المنتج للوعي، وخطاب مثقف السلطة المنتج لخطاب السلطة. ويمكن تلخيص هذا الفرق بالقول: (إنَّ خطاب المثقف الحقيقي خطاب مفتوح، أي غير دوغمائي، بمعنى أنه لا يرى أنه يمثل سلطة إطلاقية نهائية، إنه خطاب مفتوح، لأنَّه نقدي في بنيته، وقادر على تجاوز نتائجه، وذلك على عكس خطاب المثقف الآخر، مثقف السلطة، فهو خطاب مُغلق دوغمائي إطلاقي، يتضمن الدفاع عن حقيقة مطلقة في كليتها وشموليتها). هذا التمييز يتباعد بنا تماماً عن التمييز السائد بين: «مثقف السلطة» و «مثقف المعارضة» بالمعنى السياسي الدارج، وهو يتيح لنا أن نضع التعارض (الثقافي / الفكري) بين نمطين من الخطاب، أو نمطين من الوعي؛ الخطاب المفتوح، وهو خطاب المعارضة بأمتياز، والخطاب المغلق، وهو خطاب السلطة بأمتياز. إنَّ الخطاب – أي خطاب – حين يتحول إلى سلطة، ولو كان في موقع المعارضة السياسية المباشرة، ينتهي إلى تكريس مفهوم «السلطة» في مجال الفكر، والوعي، والإبداع؛ وهو مفهوم أخطر بكثير من مفهوم السلطة السياسية.
بقلم " حسين أكرم غويلي "
#أتحاد_الشباب_العراقي_لكُتاب_المقالات
#حسين_أكرم_غويلي
يجب ألّا ننسى الآن نمط المثقف الذي يمنح السلطة السياسية – واعياً أو غير واعِ، طائعاً أم مجبراً – مشروعية السيادة العليا التي تتوق إلى ترسيخها. والتعارض إنما ينشأ بين المثقف المتمرد / الثوري وبين السلطة، بسبب عزوفه عن الأنخراط في إنتاج وعي يُرسخ السيادة العُليا للسلطة.
وقبل أن نكشف عن تلك التعارضات في سياق التأريخ نُشير إلى «جوهرية» التعارض بين الوعي والسلطة: الوعي بما هو وعي (جمالي، فكري، أوديني) يتحرك صوب محاولة إكتشاف «الحقيقة» في تجلياتها ومظاهرها المتعددة. ومع إنَّ الوعي ذاته ظاهرة تأريخية، وعلى رغم إنَّه يتوصل في حركته الدائمة إلى الكشف عن حقائق ثقافية تأريخية، فإنَّ هدفه الأسمى يكمن في الرغبة الدائمة في تجاوز ما تم إكتشافه، والتحرك إلى قارة «المجهول» في الفكر والإبداع، أي أنَّ الوعي – بعبارة أخرى – نشاط وفعالية متحركة لا تؤمن بالثبات والاستقرار، لذلك ينصرف أهتمامها في الفكر والإبداع إلى ما يحقق هذه الغاية، التي تفضي إلى تكريس مشروعيتها السيادية العليا. وكل فكر أو إبداع يناهض هذه الغاية يتم تهميشه في أحسن الأحوال إن لم يتم أغتياله وتفتته نهائياً.
والتعبير عن هذا التعارض بلغة الفلسفة يمكن أن يكون على النحو التالي: إنَّ مفهوم الحقيقة عند المثقف الحقيقي يتعارض مع المفهوم نفسه عند رجل السلطة والسياسة. الحقيقة عند رجل السلطة أو السياسة تكون كذلك، أي تكون حقيقة لأنها نافعة، ومؤثرة، وقادرة على تحقيق أهداف الإستقرار والثبات.
من هذه الزاوية يمكن أحياناً أن نجد نماذج لرجل السلطة حامي حمى الحقيقة (المأمون الخليفة العباسي وكيفيته عند أستخدامه الفكر الأعتزالي)، لكن علينا هنا أن ندرس الكيفية التي يوظف بها رجل السياسة، الحقيقة تلك، توظيفاً سياسياً نفعياً يحرمها من أن تترسخ في الوعي الشعبي بوصفها حقيقة.
وعلى عكس المفهوم النفعي البراغماتي للحقيقة عند رجل السلطة تكون «الحقيقة» عند المثقف نافعة لأنها حقيقية، وليس لأيَّةِ غايات نفعية مباشرة تُرجى من ورائها. إنها نافعة لأنَّها تخلق وعياً وتتجاوز اللحظية السياسية وتتخطى حدود الأستخدام البراغماتي. لكن هذا الفصل التام بين مفهومي «الحقيقة» عند كل من المثقف ورجل السلطة لا يعني ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن من فصل تام بين الفكر والسياسة، بوصفهما ناشطين مستقلين.
يقع الفصل بين «الفكر» كفعالية تسعى نحو المزيد من «الحقائق»، وبين السياسة كفعالية لتحقيق الممكن، فما يصلح للأستخدام أنطلاقاً من مبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة)؛ وهو مبدأ من مبادئ السياسة وتثبيت السلطان، يتعارض مع الفكر بما هو سعي علمي يتجاوز اطار التبرير والنفعية، ويسعى إلى التفسير والتقييم.
لكن بعيداً عن هذا التعارض، يمكن القول إن كل فكر يتضمن نمطاً من الممارسة السياسية بالمعنى العام، لأنَّ الفكر لا يتم إنجازه خارج نسق العلاقات في التشكيلة الإجتماعية التي تؤطرها ثقافة بعينها.
وهنا نصل إلى التمييز بين نمطين من المثقفين: المثقف التبريري، الذي يدور في الفلك النفعي، والسياسي المباشر، والمثقف الذي يهتم بالتحليل، والتفسير من دون أن ينخرط بشكل مباشر في مفهوم نفعية الحقيقة. ولا نقصد بالمثقف التبريري ذلك المثقف المتعاون مع السلطة والخادم لها، والمنتج لفكر ذي مردود مباشر لتأييدها؛ وإن كان هذا هو ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. لا نقصد هذا النمط وحده، بل نضم إليه نمط مثقف المعارضة الذي يدور في فلك «النفعي» والرباغماتي أيضاً، ولكن من منظور سلطوي معارض للسلطة القائمة. أي إننا يجب أن نميز بين المثقف المنخرط في العمل السياسي المباشر اليومي، وبين المثقف المنخرط في العمل الثقافي والفكري والإبداعي من دون انعزال أو تعال أو تسام زائف.
نصل في ختام هذا المقال للتحليل للقضايا النظرية المرتبطة بعلاقة المثقف بالسلطة إلى تحديد الفرق بين خطاب المثقف المنتج للوعي، وخطاب مثقف السلطة المنتج لخطاب السلطة. ويمكن تلخيص هذا الفرق بالقول: (إنَّ خطاب المثقف الحقيقي خطاب مفتوح، أي غير دوغمائي، بمعنى أنه لا يرى أنه يمثل سلطة إطلاقية نهائية، إنه خطاب مفتوح، لأنَّه نقدي في بنيته، وقادر على تجاوز نتائجه، وذلك على عكس خطاب المثقف الآخر، مثقف السلطة، فهو خطاب مُغلق دوغمائي إطلاقي، يتضمن الدفاع عن حقيقة مطلقة في كليتها وشموليتها). هذا التمييز يتباعد بنا تماماً عن التمييز السائد بين: «مثقف السلطة» و «مثقف المعارضة» بالمعنى السياسي الدارج، وهو يتيح لنا أن نضع التعارض (الثقافي / الفكري) بين نمطين من الخطاب، أو نمطين من الوعي؛ الخطاب المفتوح، وهو خطاب المعارضة بأمتياز، والخطاب المغلق، وهو خطاب السلطة بأمتياز. إنَّ الخطاب – أي خطاب – حين يتحول إلى سلطة، ولو كان في موقع المعارضة السياسية المباشرة، ينتهي إلى تكريس مفهوم «السلطة» في مجال الفكر، والوعي، والإبداع؛ وهو مفهوم أخطر بكثير من مفهوم السلطة السياسية.
بقلم " حسين أكرم غويلي "
#أتحاد_الشباب_العراقي_لكُتاب_المقالات
#حسين_أكرم_غويلي
نبذة مبسطة عن سيرة الكاتب:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإسم الكامل: حسين أكرم إبراهيم غويلي.
الولادة ومحلها: (1984م/ حلة).
التحصيل الدراسي: بكلوريوس علوم كيمياء/ جامعة بابل.
الحالة الإجتماعية: متزوج.
السكن الحالي: محافظة بابل/ حلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإسم الكامل: حسين أكرم إبراهيم غويلي.
الولادة ومحلها: (1984م/ حلة).
التحصيل الدراسي: بكلوريوس علوم كيمياء/ جامعة بابل.
الحالة الإجتماعية: متزوج.
السكن الحالي: محافظة بابل/ حلة.
رقم
الهاتف المحمول: +9647809056355
الموقع
الإلكتروني للكاتب:
حسين أكرم غويلي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق